مقالة مترجمة من موقع مجلة أيون aeon.co
العنوان الأصلي للمقالة Autism’s missing women ونشرت بتاريخ 1 ابريل 2025 بقلم Gina Rippon
لطالما اعتُبر التوحد أكثر شيوعًا بين الذكور، لكن أبحاثًا جديدة تغير فهمنا لهذا الاضطراب
هل تعلم أن الأولاد أكثر عرضة للإحالة لتشخيص التوحد بمعدل 10 أضعاف مقارنة بالفتيات؟ أو أن الأولاد الذين تتم إحالتهم للتشخيص أكثر عرضة للتشخيص بالتوحد بمعدل يزيد عن الضعف مقارنة بالفتيات اللواتي تتم إحالتهن؟ لكن لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئًا، فالتوحد يُعتقد بأنه "مشكلة ذكورية"، أليس كذلك؟
تشير معظم مواقع التوحد والأبحاث والمقالات العلمية إلى أن التوحد أكثر شيوعًا بين الذكور بمعدل يقارب أربعة أضعاف مقارنة بالإناث، رغم أن بعض التقارير أشارت إلى معدلات تصل إلى 15:1.
ولكن، ماذا لو علمت أن المعلمين، عند تقديم سيناريوهات متطابقة لأطفال مفترضين، كانوا أكثر ميلًا لتحديد الطفل على أنه مصاب بالتوحد إذا كان اسمه "جاك" مقارنة بـ "كلوي"؟ وأن الفتيات اللاتي يتم تشخيصهن بالتوحد قد ينتظرن عدة سنوات أكثر من الأولاد للحصول على تقييم؟ وأن الأبحاث تُظهر أن ما يصل إلى 80% من الإناث المصابات بالتوحد قد يحصلن في البداية على تشخيص خاطئ، مثل القلق الاجتماعي أو اضطراب الأكل أو اضطراب الشخصية الحدية، قبل أن يُدرك الأطباء أنهن مصابات بالتوحد؟
إغفال النساء المصابات بالتوحد
لقد بدأت النساء المصابات بالتوحد في إسماع أصواتهن. هناك منتدى إلكتروني للنساء اللاتي تم تشخيصهن متأخرًا يُسمى Late Discovered Club. وخلال العقد الماضي، ظهرت شهادات قوية من نساء قيل لهن إن التوحد "يقتصر على الرجال". كما قالت إحدى الأمهات: "كنت أطلب باستمرار تقييم ابنتي، لكن نظرًا لأنها فتاة، كان من غير المرجح أن يحيلنا طبيب الأطفال للتشخيص. أتذكر أنها قالت لي: هذا عادة ما يكون متعلقًا بالأولاد فقط، وهي فقط مختلفة قليلًا".
إجمالًا، تكشف هذه النساء حديثات التشخيص عن خلل جوهري في فهمنا لماهية التوحد.
لماذا تم تهميش النساء المصابات بالتوحد؟
على مستوى معين، كان الاعتقاد الراسخ بأن التوحد ظاهرة ذكورية قويًا لدرجة أن بعض الباحثين سعوا إلى إيجاد "تأثير وقائي للإناث" أو أرجعوا التوحد إلى "الدماغ الذكوري المتطرف". علاوة على ذلك، أدت أنماط التنشئة الاجتماعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي إلى دفع النساء المصابات بالتوحد إلى الاختباء، مما أجبرهن على إخفاء مشكلاتهن الداخلية وحرمانهن من المساعدة التي يحتجنها.
التحيز في الأبحاث
وجدت دراسة أُجريت عام 2021 أن أكثر من 30% من أصل 1,400 دراسة تناولت أدمغة المصابين بالتوحد، ركزت فقط على الذكور. بينما في عام 2024، أظهرت دراسة أخرى أن 70% من الدراسات التي تناولت النماذج الدماغية للتوحد أجريت على الذكور فقط أو شملت عددًا قليلًا جدًا من الإناث.
هذا الخلل يمتد إلى قواعد البيانات الكبيرة. على سبيل المثال، عند إطلاق قاعدة بيانات تبادل بيانات تصوير الدماغ للتوحد (ABIDE-I) عام 2012، تضمنت البيانات أكثر من 539 فردًا مصابًا بالتوحد، لكن التقرير الأولي ركّز فقط على تحليل 360 ذكرًا. والأدهى من ذلك، كان 88% من المشاركين ذكورًا، وبعض المواقع المشاركة استبعدت الإناث عمدًا.
كيف حدث ذلك؟ يقول نعوم تشومسكي: "العلم يشبه النكتة حول الرجل المخمور الذي يبحث عن مفتاحه تحت عمود الإنارة، رغم أنه فقده في الجانب الآخر من الشارع، لمجرد أن هناك ضوءًا تحت العمود". وهكذا، ركز الباحثون في التوحد على الذكور فقط، دون النظر إلى الجانب الآخر.
التوحد كصورة نمطية ذكورية
ساهمت السينما في تعزيز الصورة الذكورية للتوحد، مثل فيلم Rain Man (1988)، الذي جسد فيه داستن هوفمان شخصية مصاب بالتوحد ذو مهارات استثنائية وسلوكيات غير اعتيادية. هذا التصوير رسّخ في أذهان العامة أن التوحد حالة ذكورية.
مع مرور الوقت، أصبحت القوائم التشخيصية للتوحد تعتمد على أنماط سلوكية مأخوذة أساسًا من الذكور المصابين، مما أدى إلى تشخيص النساء المصابات بالتوحد بصورة أقل. فالمعايير البحثية ركزت على اهتمام الأولاد المتوحدين بالمعلومات التاريخية أو أرقام السيارات، دون أن تأخذ بعين الاعتبار الاهتمامات الأكثر شيوعًا بين الفتيات، مثل الدمى أو الخيول.
إعادة تعريف التوحد عند الإناث
في أوائل القرن الحادي والعشرين، بدأت النساء المصابات بالتوحد في سرد قصصهن، مما أدى إلى إعادة النظر في الفجوة المعرفية حول التوحد لدى النساء. ظهرت كتب مثل Odd Girl Out للورا جيمس وAutism in Heels لجينيفر كوك أوتول، حيث تناولت هذه الأعمال معاناة النساء المصابات بالتوحد في فهم القواعد الاجتماعية غير المعلنة، والتعامل مع الشعور بالعزلة والرفض.
إخفاء الأعراض عبر التمويه الاجتماعي
أظهرت الدراسات الحديثة أن العديد من النساء المصابات بالتوحد لا يتجنبن التفاعل الاجتماعي، بل يسعين بشدة للاندماج. يقوم البعض بتطوير استراتيجيات تمويه اجتماعي، مثل تقليد أنماط الكلام، وحفظ السيناريوهات الاجتماعية، ومراقبة الإيماءات الجسدية عن كثب لمحاولة الاندماج بسلاسة.
في مقابلة مع إحدى النساء المصابات بالتوحد، قالت:
"عندما كنت طفلة، كنت أرفض أن أكون الأولى في أي نشاط جماعي، وأصبت بانهيارات عصبية إذا طُلب مني ذلك. الآن أدرك أنني كنت خائفة من تنفيذ سلوك ما دون أن أراقب أولًا نموذجًا 'مقبولًا' له".
لكن هذه الاستراتيجيات غالبًا ما تكون مرهقة نفسيًا، وقد ارتبطت بمستويات عالية من القلق والاكتئاب والتفكير الانتحاري.
إعادة توجيه البحث العلمي
بدأت الأبحاث الحديثة بالاعتراف بضرورة البحث في الاختلافات بين الجنسين في التوحد. لم يعد التركيز فقط على "ضعف المهارات الاجتماعية" لدى المصابين بالتوحد، بل أصبح يُنظر إلى التفاعل الاجتماعي عند النساء المصابات بالتوحد على أنه مختلف، وليس بالضرورة أضعف.
بدلًا من القول إن النساء المصابات بالتوحد "أقل تأثرًا" من الذكور، بدأ الباحثون في إدراك أنهن يُظهرن أنماطًا مختلفة من التفاعل الاجتماعي، تشمل زيادة في القلق الاجتماعي والتركيز المفرط على محاولة التكيف والاندماج.
هل نحتاج إلى إعادة تصنيف التوحد؟
اقترح البعض أنه يجب تقسيم التوحد إلى أنواع مختلفة، مثل "التوحد من النوع الأول والنوع الثاني"، على غرار تصنيفات مرض السكري. لكن هذه الفكرة قد تؤدي إلى أخطاء جديدة، لأن بعض النساء قد يظهرن سمات التوحد الكلاسيكية، وبعض الذكور قد يُظهرون استراتيجيات تمويه اجتماعي مشابهة للإناث.
من المهم توسيع تعريف التوحد بدلًا من تقسيمه بناءً على الفروق بين الجنسين.
الخاتمة: الاستماع إلى تجارب النساء المصابات بالتوحد
أحد الدروس الرئيسية المستخلصة هو أن هذه القضية لم تكن لتُثار لولا أن النساء المصابات بالتوحد بدأن في مشاركة تجاربهن، ولولا استماع العلماء إليهن. بات هناك توجه نحو إشراك المصابين بالتوحد في تصميم الدراسات العلمية لضمان فهم أدق لتجاربهم.
كذلك، كشف هذا البحث عن ضرورة إعادة النظر في التصنيفات النفسية عمومًا، إذ تعتمد على معايير قد لا تعكس جميع الفئات المتأثرة بها، ما يؤثر على التشخيص والدعم العلاجي.
تعليقات
إرسال تعليق