بقلم ناجح ناجي حسن
في الوقت الذي تزداد فيه مبادرات الشباب في العمل التطوعي في الأردن، تبرز ظاهرة لافتة للنظر تتمثل في تفوق الفتيات في الإقبال على التطوع مقابل تراجع ملحوظ في مشاركة الذكور. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ“الفجوة الناعمة”، لا تعني بالضرورة ضعف روح المبادرة لدى الذكور، بل تعكس مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تؤثر في خيارات الجنسين وسلوكهم تجاه العمل التطوعي.
تتحمل فئة الشباب من الذكور في الأردن عبئًا اجتماعيًا واقتصاديًا أكبر، إذ يتوقع منهم المجتمع أن يكونوا المعيل في سن مبكرة، وهذا يجعلهم أكثر ميلاً للبحث عن فرص عمل مدفوعة الأجر بدلًا من الانخراط في نشاطات تطوعية لا تعود عليهم بمردود مادي مباشر. كما أن الوقت والبحث عن عمل يمثلان عائقًا رئيسيًا أمام مشاركتهم في العمل التطوعي.
تميل الفتيات إلى النظر إلى التطوع كفرصة لتنمية المهارات وبناء العلاقات الاجتماعية وخدمة المجتمع، بينما ينظر بعض الذكور إليه كعمل غير منتج أو مؤقت. لذلك، تتعامل الفتيات مع العمل التطوعي بوصفه وسيلة لاكتساب الخبرة والانفتاح على المجتمع، بينما يفضّل الذكور الأنشطة التي توفر تدريبًا عمليًا أو عائدًا مادياً.
تلعب الأعراف الاجتماعية دورًا في رسم صورة مختلفة للتطوع بين الجنسين. فمشاركة الفتيات في الأنشطة التطوعية تُعد امتدادًا لدورهن الاجتماعي في الرعاية والخدمة، في حين يُتوقع من الذكور التوجه نحو العمل والإنتاج. هذه الصور النمطية تخلق حواجز نفسية واجتماعية أمام انخراط الذكور في العمل التطوعي، وتجعل التطوع يبدو نشاطًا “أنثويًا” في نظر بعضهم.
غالبًا ما تُوجّه البرامج التطوعية في الأردن إلى مجالات تعتبر أكثر ملاءمة للفتيات مثل التعليم ورعاية الأطفال والمبادرات الاجتماعية، بينما تقل البرامج التي تستهوي الذكور مثل المبادرات التقنية أو البيئية أو الرياضية. إعادة تصميم الأنشطة التطوعية لتشمل مجالات متنوعة تتناسب مع اهتمامات الشباب الذكور قد تسهم في تقليص هذه الفجوة.
كما أن غياب النماذج الذكورية الملهمة داخل المجتمع التطوعي يقلل من حماس الشباب الذكور، إذ تنتشر قصص نجاح لفتيات متطوعات في مجالات التعليم والصحة والتمكين، بينما نادرًا ما يُبرز الإعلام أو المؤسسات قصص رجال كان التطوع نقطة انطلاقهم نحو النجاح.
تجد العديد من الفتيات في العمل التطوعي مساحة للتعبير عن الذات وبناء الثقة والانخراط في الحياة العامة، بينما قد يشعر الذكور أن التطوع لا يمنحهم مكانة اجتماعية أو مهنية موازية للوظيفة أو الدراسة، مما يقلل من دافعيتهم للاستمرار فيه. ومع ذلك، يثبت الواقع أن العمل التطوعي يرفع من فرص التوظيف ويعزز مهارات القيادة والتخطيط المجتمعي.
الفجوة الناعمة في التطوع بين الجنسين ليست دليل ضعف أو تفوق مطلق، بل انعكاس لتحديات المجتمع وتوقعاته من الشباب والفتيات. المطلوب ليس تقليل مشاركة الإناث، بل تشجيع الذكور على الانخراط بفاعلية من خلال حملات إعلامية تُبرز قصص نجاح المتطوعين الذكور، وإدماج التطوع في برامج التدريب والتعليم، وتصميم مبادرات تراعي اهتمامات الجنسين، وتعزيز ثقافة أن التطوع استثمار في الذات وليس ترفًا اجتماعيًا.


تعليقات
إرسال تعليق