"شو رح تحكي الناس".. معيار يكرس ثقافة "التكلف


صحيفة الغد

في السنوات الأخيرة تحولت كثير من الحفلات من لحظات فرح عفوي إلى ساحات للمقارنات والاستعراض، وكأن الاحتفال لم يعد مناسبة إنسانية بل اختبار اجتماعي يجب اجتيازه بقدر كافٍ من المظاهر.

أصبح التكلف قاعدة لا استثناء والبساطة تهمة يخجل البعض منها حتى وإن كانت أكثر صدقا وراحة. خلف هذه الظاهرة يكمن شعور خفي  بالقلق المنطوي على سلسلة من المخاوف منها خوف الظهور بصورة أقل الآخرين، ولذلك تدفع الأسرة أحيانا فوق طاقتها إلى إنفاق مبالغ طائلة على تفاصيل لا ترى إلا لثوان وتختفي بمجرد انطفاء الإضاءة أو انتهاء التصوير. 

صالات ضخمة تستأجر لساعات معدودة، طاولات مزخرفة لا يعرف أحد إن كانت تعبر عن ذوق أصحاب المناسبة أم عن توقعات المجتمع، وهدايا تشترى لالتقاط صورة أكثر مما تقدم بنية المشاركة. وهكذا يصبح الجميع أسرى حياة مثالية مفترضة لا تعكس خياراتهم، وما كان بداية فرح يصبح بداية عبء مالي ونفسي طويل يدفع ثمنه بصمت.

الفرح نفسه ضيفا ثانويا

في مجتمعات تتحول فيها المناسبات إلى امتحان، يصبح الفرح نفسه ضيفا ثانويا على طاولة تزدحم بتوقعات الآخرين هذا ما توصل إليه سميح اليوم، يقول "نحن لا نثقل أنفسنا لأننا نحب الاحتفال بل لأننا نخاف أن نبدو أقل مما ينبغي في عين أشخاص لا يتذكرون شيئا إلا التفاصيل التي لم تنجز".

وهنا تكمن المفارقة، فبحسب سميح فإن الإعلان عن مناسبة ما يفتح حتما باب من التساؤلات ماذا سنقدم؟ هل المكان لائق؟ مشيرا إلى أن هذه الثقافة لا تأتي من فراغ إنها نتيجة تراكم طويل لجملة بسيطة تتكرر بصيغ مختلفة ماذا سيقول الناس؟ هذه الجملة وحدها قادرة على تحويل الفرح إلى ضريبة. ومع الوقت يصبح الخوف من المناسبة أكبر من المناسبة نفسها.

أما شيراز فتجد أن التكلف في المظاهر لا يترك أثرا حقيقيا الناس قد تندهش دقائق، تلتقط الصور، تتحدث عن المستوى ثم تنسى، لكن ما لا ينسى هو ثقل الدين ومرارة الضغط وإرهاق التخطيط الذي يستنزف بهجة اللحظة. 

وتبين شيراز أن المظاهر الخادعة لا تكتفي بما هو مرئي بل تمتد إلى ما يشعر الناس بأن الفرح الحقيقي غير كاف بحد ذاته. 

يبدأ الأمر من مأدبة تفوق عدد الحاضرين أو زينة تصور أكثر مما تعاش، إضافة إلى العبارات التي تقال بدافع المجاملة والواجب فقط، ورغم ذلك لا أحد يعترف بأنه متعب من هذا كله، الجميع يبتسم ويتظاهر بأن الأمور طبيعية.  لكن خلف هذه الواجهة يعيش الكثيرون حالة استنزاف صامت ديور تتراكم علاقات تتوتر وشعور داخلي بأن الشخص يعيش دور لا يشبهه، مدعوم بعدسات الهواتف ومنصات التواصل التي تخلد كل تفصيل وتجرد المناسبات من بساطتها وصدقها.

 الانجرار وراء توقعات المجتمع 

وتوضح الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش أن استجابة الفرد لتوقعات المجتمع تنبع من دوافع نفسية عميقة ترتبط بحاجته الأساسية للانتماء والقبول، وتجنب النبذ الاجتماعي رغم إدراكه لعدم منطقيته، فالتأثير المعياري يدفعه إلى الامتثال رغبةً في نيل الموافقة والخوف من السخرية أو الظهور بمظهر المختلف. بينما يُغذّي التأثير المعلوماتي اعتقاده بأن الآخرين يمتلكون معرفة أوسع أو تصورًا أدق للطريقة الصحيحة للتصرف، خصوصًا في مواقف الشك، ومع تكرار الضغوط، قد يتطور الأمر إلى ما يُعرف بعصاب الإذعان، حيث يبالغ الفرد في الخضوع للآخرين على حساب حدوده واحتياجاته، تجنبًا للصراع أو الانتقاد، مما يجعله أسيرًا لمعايير اجتماعية لا يؤمن بها حقيقة.

ووفق البطوش، يؤدي الخوف من الانتقاد، أو ما يُعرف برهاب التقييم السلبي، إلى شلّ عملية اتخاذ القرار في المناسبات الشخصية، حيث يتحول الهدف من اختيار ما يناسب الفرد وإمكاناته إلى محاولة إرضاء الجمهور وتجنّب نظرات اللوم.

 المبالغة في التكاليف

 وفي ظل هذا الخوف، تضيق الخيارات ويلجأ الشخص إلى القرارات التقليدية الأكثر أمانًا اجتماعيًا، حتى لو كانت غير محببة أو مرهقة ماديا، كما يميل إلى المبالغة في التكاليف استجابةً لمعيار "شو رح يحكو الناس عنا" بدلا من "شو اللي بنقدر عليه".

ومع الوقت، تفقد المناسبة معناها الشخصي وتتحول من تجربة إنسانية صادقة إلى عرض اجتماعي يُقدم للجمهور أكثر مما يُعاش بصدق.

وترتبط المبالغة في المظاهر خلال الاحتفالات بتقدير الذات ارتباطا عكسيا، بحب البطوش، إذ يدفع انخفاض تقدير الذات الفرد إلى البحث عن مصادقة خارجية تعوّض إحساسه الداخلي بالنقص، فيتحول البذخ إلى وسيلة لانتزاع الإعجاب والشعور المؤقت بالقيمة، كما أن الذات الهشّة، التي تقاس قيمتها بالممتلكات والمظاهر، تجعل صاحبها يربط بين نجاح المناسبة وقيمته الشخصية، فيرى أي انتقاد للمظهر أو التفاصيل كأنه موجّه لذاته مباشرة. ويعزز هذا السلوك أيضا السعي لإثبات المكانة الاجتماعية والتفوّق على الآخرين من خلال الاحتفالات، وهو ميل ينشأ غالبا من مقارنات اجتماعية مؤلمة أكثر من كونه نابعًا من شعور حقيقي بالاكتفاء والثقة بالنفس.

وترى البطوش، ان الضغط الاجتماعي المرتبط بالمناسبات، يسهم بقوة في نشوء قلق اجتماعي مزمن أو في زيادة حدته لدى من لديهم قابلية مسبقة، إذ تتحول المناسبات عبر التكييف السلبي إلى مصدر توتر مستمر يرتبط بالخوف من التقييم وتوقع الانتقاد بدلاً من كونها تجارب مبهجة. ومع تكرار هذا النمط، يدخل الفرد في دوامة من الاجترار المعرفي، فينشغل قبل المناسبة بالتفكير المفرط في التفاصيل وما قد يقوله الآخرون، ثم يعيد تحليل كل تفاعل بعدها، مما يرفع مستوى القلق العام. وفي مرحلة لاحقة، قد يلجأ إلى التجنب السلوكي، فيمتنع عن إقامة أو حضور المناسبات لتفادي الضغط النفسي، وهو ما يزيد من عزلته ويثبت دائرة القلق الاجتماعي بدلاً من كسرها.

مقارنات تؤدي لتوترات وضغوط مالية

وعلى مستوى الأسرة، تؤدي هذه المقارنات إلى توترات وضغوط مالية تخلق صراعًا بين الزوجين حول الإنفاق والمظاهر، وقد تصل إلى اتهامات متبادلة بالبخل أو التهور، فيما يتعرض الأطفال لنموذج تربوي مشوَّه يربط القيمة الشخصية بالمظاهر والإنفاق، ما ينعكس سلبًا على نموهم النفسي وتشكيل هويتهم، بحسب البطوش.

عندما يقيم الشخص مناسبة بسيطة ثم يتعرض لانتقاد، تتداخل داخله مشاعر الإحراج وكأن قيمته الشخصية وُضعت تحت المجهر، إلى جانب الغضب والاستياء من تدخل الآخرين في خياراته الخاصة، وقد يصل الأمر إلى ألم عاطفي حقيقي يشبه في تأثيره الألم الجسدي. وفي مواجهة هذا الضغط، يلجأ الفرد إلى آليات دفاع مختلفة، مثل الإنكار للتقليل من أهمية الانتقاد، أو التبرير لإقناع نفسه بأن قراره منطقي ومقصود، أو الإسقاط عبر اتهام الآخرين بالسطحية والحسد، وقد يظهر أيضًا التعويض من خلال السعي بوعي أو دون وعي إلى إقامة مناسبة أكبر لاحقًا لمحو الشعور بالنقص الذي ولّده الانتقاد.

وتشير البطوش، أن التركيز يصبح منصبًا على الظهور والإبهار بدلاً من الاستمتاع الحقيقي، وتُقاس قيمة المناسبة بارتفاع تكلفتها لا بمعناها، ومع تصاعد هذا النمط، يتزايد الضغط الإدراكي عبر الانشغال المطوّل بالتفاصيل واللوجستيات وترتيب الضيوف وتوقعاتهم، ليتحوّل الحدث شيئًا فشيئًا من تجربة مفرحة إلى حالة تشبه قلق الأداء، حيث يشعر المضيف وكأنه يخضع لاختبار اجتماعي أكثر مما يعيش لحظة احتفاله.

الإنفاق الاستعراضي وتأثيراته على الصحة النفسية 

تراكم الديون الناتجة عن المظاهر والإنفاق الاستعراضي له تأثيرات طويلة الأمد على الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، إذ يفاقم القلق والاكتئاب نتيجة شعور الفرد بعجزه المالي وافتقاده للأمان، بينما تتأزم العلاقات الزوجية بسبب النزاعات المستمرة حول المال واللوم المتبادل، ما يضعف الدعم العاطفي ويؤثر سلباً على العلاقة الحميمة، كما يخلق بيئة أسرية مشحونة توتر الأطفال ويؤثر على نموهم النفسي وتكوين فهمهم الصحي للتعامل مع المال، وفقا للبطوش.

وتعتبر تراكم الديون الناتجة عن المظاهر والإنفاق الاستعراضي له تأثيرات طويلة الأمد على الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، إذ يفاقم القلق والاكتئاب نتيجة شعور الفرد بعجزه المالي وافتقاده للأمان، بينما تتأزم العلاقات الزوجية بسبب النزاعات المستمرة حول المال واللوم المتبادل، ما يضعف الدعم العاطفي ويؤثر سلباً على العلاقة الحميمة، كما يخلق بيئة أسرية مشحونة توتر الأطفال ويؤثر على نموهم النفسي وتشكيل فهمهم الصحي للتعامل مع المال.

ويشير الاختصاصي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان إلى أن المناسبات الاجتماعية تستهلك جزءا كبيرا من ميزانية الاسرة بسبب المبالغات في إقامة هذه المناسبات سواء من صاحب المناسبة أو من المشاركين، وهي مجال للتنافس والتقليد والمباهاة. مما يترك آثارا اجتماعية ومالية على الجميع. واصبحت المناسبات عبئا اقتصاديا ثقيلا.

المناسبات ومعيار التنافس بين العائلات

الغالبية تميل إلى تقليد غيرهم من الأقارب والاصدقاء عند تنظيم حفلة، بل والزيادة في الانفاق عن السابق. والحرص على الظهور بمظهر مختلف من حيث الشكل والبرنامج، حيث أصبحت الحفلات مجالا للتنافس بين العائلات والاسر، ويتم التخطيط لها لفترة طويلة تسبق المناسبه، بحسب سرحان.

والبعض يتابع ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم حفلا يجمع بين مزيجا من اكثر من مناسبة. حيث يتدخل أفراد الأسرة في تقديم الاقتراحات واختيار الفقرات، دون النظر للتكاليف وإمكانيات الاسرة. حيث يغيب العقل والواقعية، بحثا عما يسمونه "فرحة العمر" ورغبة في إشباع رغبات ووضع "بصمات" في الهواء.

وقد يلجأ البعض للاستدانة إقامة المناسبات الاجتماعية، حيث تقام كثير من المناسبات في قاعات الفنادق أو قاعات المناسبات، وتقديم ضيافة فاخرة ودعوة اعداد كبيرة، ضمن برنامج فيه الكثير من المبالغات التي تفوق قدرة الشخص والحاجة الحقيقية.

ويلفت سرحان الى ان التقليد الأعمى للآخرين والمفاخرة هو من أهم أسباب هذه السلوكيات الخاطئة التي تستنزف الموارد. وقد يستدين صاحب المناسبة لإقامة حفلا كبيرا، مما يجعله في ضائقة مالية لاشهر او ربما لسنوات. وقد ينعكس ذلك على استقرار اسرته، ففي مناسبات الزواج التي يتحمل فيها العريس او اهله ديونا غالبا ما يكون ذلك سببا في مشكلات دائمه او حدوث الطلاق بعد مدة قصيرة من الزواج.

الفرح المرتبط بالإنفاق والاستدانة 

ويتابع سرحان بأن التعبير عن الفرح لا يعني مزيدا من الإنفاق أو الاستدانة أو تحميل النفس أكثر مما تستطيع لا ذلك ظلم للنفس، فهذا النوع من الفرح هو فرح مصطنع مؤقت، لان المعاناة التي تليه تكون صعبة من الناحية المادية. فالفرح الحقيقي هو فرح نابع من القلب ليس فيه تصنع أو تكلف وبعيد عن المبالغات.

والمبالغة في المناسبات الاجتماعية لا تتوقف على تكاليف الحفلات أو ما يقدم للمدعوين، بل ان المشاركة في الحفلة لها متطلبات عند الكثيرين، كما أصبح الاطفال أيضا يقلدون الكبار في ذلك. فهم تعلموا هذه السلوكيات الخاطئة من الآباء والأمهات ونشئووا على ذلك منذ الصغر.

الى ذلك؛ تكاليف الزواج المرهقة تبدأ قبل عقد الزواج، فالجاهة يجب أن يحضرها عدد كبير من الأشخاص وتقام في قاعات ولها متطلباتها وتكاليفها. ويتبعها حفل للخطبة ثم مراسم الزواج ومتطلباتها.

ويبقى الفرح مطلوب وجميل أن يحرص الإنسان على إدخال الفرح لنفسة ولقلوب الآخرين، لكن الفرح الحقيقي هو النابع من القلب وليس المرتبط بالتكاليف المادية التي ترهق صاحب المناسبة وترهق المشاركين، وهو أن تعاش الحياة ببساطتها ودون تكلف أو تصنع.

مشكلات أسرية ترتبط بالتقليد الأعمى 

وبسبب المبالغات في المناسبات الاجتماعية أصبح البعض يتهرب من المشاركة فيها مما يضعف العلاقات الاجتماعية. بل وقد أدى إلى القطيعة عند آخرين. ومن المهم ايضا أن يدرك الإنسان أن المال ليس دائماً مصدراً للسعادة وهو احياناً يساهم في تحقيقها وأحياناً أخرى سبباً في المشكلات الأسرية والاجتماعية.

ويحذر سرحان من الاستدانة أو اللجوء للأقساط إلا في الحالات الضرورية مع مراعاة امكانيات الأسرة في تسديد الديون وأثر ذلك عليها. ايضا الابتعاد عن الاسراف والتبذير والتقليد الأعمى للآخرين والانفاق غير المبرر يساهم في ضبط النفقات، وكذلك الابتعاد عن ثقافة الاستهلاك التي تستنفذ الموارد دون مبررات حقيقية، وهذا يتطلب وعي الجميع والتوافق على الغاء العادات السلبية. 

كما الاعتدال والوسطية منهج حياة في كل الأمور بلا اسراف أو تبذير ولا تقطير أو شح وبخل في الانفاق. والاعتدال والابتعاد عن الديون يشعر الجميع بالراحة والطمأنينة والمسؤولية، بعيدا عن التقليد الأعمى والاهتمام بالمظاهر على حساب القدرة على إدارة موارد الأسرة.

تعليقات