عندما نتأمل في تاريخ الطعام البشري، يبرز الجبن كأحد أقدم المنتجات الغذائية التي عرفها الإنسان، وقد ظهر في أوروبا منذ آلاف السنين. تشير الدراسات الأثرية إلى أن البشر في شمال القارة الأوروبية كانوا يصنعون الأجبان منذ أكثر من 8000 سنة قبل الميلاد، وهذا ما تم اكتشافه في مناطق شمال أوروبا حيث وجد أول قالب جبن يعود إلى الألفية السادسة قبل الميلاد. الأجبان الأوروبية ظهرت نتيجة حاجة المجتمعات القديمة إلى حفظ الحليب واستخدامه في أوقات شحة الغذاء، إذ ساعدت طرق تخثر الحليب (باستخدام المنفحة والضغط والتمليح) في تحويله إلى مادة صلبة تنقل وتُخزن بسهولة.
خلال العصر الروماني، تطورت صناعة الجبن بشكل كبير في أوروبا. كان الرومان ينظرون إلى الجبن كجزء أساسي من نظامهم الغذائي اليومي، كما ظهر تنوع كبير في أنواعه عبر المناطق المختلفة. وصف المؤرخون في تلك الحقبة الجبن بأنواعه وأنماط إنتاجه، وأكدوا أهميته في وجباتهم وعاداتهم الغذائية. بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، أخذت أقاليم أوروبا المختلفة تطور أساليبها الخاصة في صناعة الأجبان، مما أنتج في النهاية تنوعًا مذهلاً من الأجبان المحلية في كل بلد وبلدة.
بحلول نهاية العصور الوسطى والعصر الحديث، بدأ نحت أشكال جبن محددة تحمل أسماءً مرتبطة بمناطقها — مثل الجبن الشيدر في إنجلترا في حوالي عام 1500، وجبن البارميزان في إيطاليا في أواخر القرن السادس عشر، وجبن الجودا في هولندا في عام 1697، وجبن الكامامبير في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر.
وفي أوروبا المعاصرة، الجبن ليس مجرد طعام؛ إنه جزء من الهوية الثقافية. المعرفة التقليدية في تصنيع الجبن تنتقل عبر أجيال داخل القرى والمزارع، وقد أدت هذه المعرفة إلى ظهور أنواع محلية معروفة عالميًا. في الاتحاد الأوروبي، تم وضع نظام «حماية التسميات الجغرافية» (PDO) الذي يضمن أن المنتج يأتي من مكان محدد وبأسلوب تقليدي معروف، مثل جبن كومتي الفرنسي، الذي يُنتج في جبال جورا ويتطلب التزامًا صارمًا في طريقة الإنتاج.
من الناحية الاقتصادية، تعتبر صناعة الجبن جزءًا مهمًا من قطاع الألبان في أوروبا. الدول الأوروبية هي من بين أكبر منتجي ومصدري الأجبان في العالم، وساهم هذا الإنتاج في تعزيز الصادرات الزراعية الأوروبية. تشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن دول مثل إيطاليا وألمانيا وفرنسا وهولندا تحتل مراكز متقدمة في حجم الإنتاج والتصدير، ويستهلك الفرد الأوروبي من الجبن معدلات أعلى من العديد من سكان بقية العالم، مما يجعل السوق الأوروبية أحد أهم أسواق الجبن عالميًا. على سبيل المثال، تصدرت إيطاليا صادرات الجبن في الاتحاد الأوروبي مؤخرًا، بإجمالي يتجاوز 970 ألف طن خلال النصف الأول من 2025 بقيمة تقارب 968 مليون يورو، متخطية ألمانيا في هذا المجال، وذلك يعكس حجم الصناعة وتطورها التنافسي.
إلى جانب البعد الاقتصادي، يلعب الجبن دورًا اجتماعيًا وثقافيًا في المجتمعات الأوروبية. فهو حاضر في المناسبات والعادات اليومية والمهرجانات الثقافية، مثل مهرجانات الجبن في دول جبال الألب التي تجمع صناع الجبن والسياح في احتفالات سنوية حول الجبن كمنتج محلي فريد. تلك الاحتفالات لا تعزز الاقتصاد المحلي فحسب، بل تُبرز أيضًا أهمية الجبن في الهوية الثقافية والمجتمعية للسكان.
تتميّز أوروبا بتنوّعٍ استثنائي في الأجبان المحلية التي ترتبط بأقاليم محددة وتحمل بصمتها المناخية والزراعية، حتى أصبحت جزءًا من الهوية الغذائية لكل بلد. ففي فرنسا يُعد جبن كامامبير من أشهر الأجبان الطرية، ويُصنع من حليب البقر ويتميّز بقشرته البيضاء الناتجة عن فطر نبيل يمنحه قوامًا كريميًا ونكهة فطرية خفيفة، وغالبًا ما يُقدَّم مع الخبز الطازج أو يُخبز كاملًا ليصبح طريًا من الداخل. كما تشتهر فرنسا أيضًا بجبن روكفور الأزرق المصنوع من حليب الغنم والمعتّق في كهوف طبيعية، ويتميّز بطعمه القوي المالح وعروقه الزرقاء الناتجة عن فطر خاص.
وفي إيطاليا يبرز جبن بارميجيانو ريجيانو الصلب، الذي يُعتّق لمدد طويلة قد تتجاوز 24 شهرًا، ويتميّز بحبيباته الجافة ونكهته الغنية المائلة إلى الجوز، ويُبشَر فوق أطباق المعكرونة والحساء. كما يشتهر جنوب إيطاليا بجبن موزاريلا الطازج المصنوع تقليديًا من حليب الجاموس، ويتميّز بقوام مطاطي ونكهة لبنية خفيفة ويُستخدم في البيتزا والسلطات.
أما في هولندا فيُعد جبن جودا من أكثر الأجبان انتشارًا عالميًا، ويتميّز بقوام نصف صلب وطعم يتدرج من الحلاوة الخفيفة في مراحله المبكرة إلى نكهة أعمق وأكثر تعقيدًا مع التعتـيق. وفي سويسرا يشتهر جبن إمنتال بثقوبه الكبيرة المميّزة ونكهته الجوزية المعتدلة، ويُستخدم في أطباق الفوندو التقليدية. أما في إسبانيا فيبرز جبن مانشيغو المصنوع من حليب غنم إقليم لا مانتشا، ويتميّز بقوام متماسك ونكهة زبدية مع لمسة حادة خفيفة.
هذا التنوع يعكس اختلاف المناخات وأنواع الحليب وأساليب التعتـيق التقليدية التي توارثتها الأجيال، فلكل جبن وصفته الدقيقة التي تشمل نوع الحليب، ودرجة الحرارة، وطريقة التخثير، وفترة التمليح والتعتيق، ما يجعل الأجبان الأوروبية ليس مجرد منتجات غذائية، بل تراثًا محليًا محفوظًا بقوانين المنشأ الجغرافي التي تحمي طرق تصنيعها التقليدية وتحافظ على جودتها الأصيلة.
في أسرة الغذاء الأوروبية، يمثل الجبن عنصرًا متنوعًا من القيم الغذائية، إذ يوفر البروتينات والكالسيوم والفيتامينات المهمة لصحة الإنسان، ولذلك فهو لا يُستهلك فقط كجزء من المأكولات المحلية، بل صار عنصرًا أساسيًا في مطابخ العالم بأسره.
تعليقات
إرسال تعليق