الزرقاء: ملتقى الطرق والبشر

جمعية المحتوى العربي الرقمي - بقلم ناجح ناجي حسن

الصور: صفحة مديرية ثقافة محافظة الزرقاء

تُعدّ محافظة الزرقاء واحدة من أهم المحافظات الأردنية من حيث الثقل السكاني والدور الاقتصادي والتنوع المجتمعي. فقد شكّلت الزرقاء، منذ نشأتها الحديثة، نقطة التقاء لمكونات سكانية وثقافية متعددة، أسهمت في تشكيل هوية اجتماعية غنية ومتمايزة. ويعود ذلك إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي ربط بين العاصمة عمّان والمناطق الشمالية والشرقية، إضافة إلى احتضانها أنشطة صناعية وعسكرية وتعليمية مهمة. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على نشأة محافظة الزرقاء، وموقعها الجغرافي، وتوزعها البيئي، وتركيبتها السكانية، والتنوع الثقافي والديموغرافي فيها، وصولًا إلى مناخها وأثر هذا التنوع في مسيرتها التنموية.


نشأة محافظة الزرقاء وتطورها التاريخي

تعود نشأة مدينة الزرقاء الحديثة إلى أواخر العهد العثماني، وتحديدًا مع إنشاء سكة حديد الحجاز عام 1903، التي شكّلت نقطة تحول رئيسية في ظهور تجمع سكاني حول محطة القطار. ومع مرور الوقت، بدأت الزرقاء تستقطب السكان من مختلف المناطق، خاصة من الشام وفلسطين، إضافة إلى الشركس الذين كان لهم دور بارز في تأسيس نواتها العمرانية. بعد تأسيس إمارة شرق الأردن، شهدت الزرقاء توسعًا تدريجيًا، وتعزز دورها العسكري والصناعي، إلى أن أُعلنت محافظة مستقلة عام 1985، لتصبح إحدى الركائز الأساسية في البناء الإداري والسكاني للدولة الأردنية.

الموقع الجغرافي والتقسيم الإداري

تقع محافظة الزرقاء في الجزء الأوسط من المملكة الأردنية الهاشمية، وتحدّها محافظة عمّان من الغرب والجنوب، ومحافظة المفرق من الشمال والشرق، ما منحها موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا مهمًا. وتبلغ مساحتها نحو 4,080 كيلومترًا مربعًا، وتضم عددًا من الألوية والأقضية، أبرزها لواء قصبة الزرقاء، ولواء الهاشمية، ولواء الرصيفة، وقضاء الأزرق. وقد أسهم هذا الموقع في جعل الزرقاء مركزًا حيويًا للنقل والصناعة، إضافة إلى دورها في الربط بين المناطق الحضرية والبادية، وهو ما انعكس على تنوعها السكاني والاقتصادي.

التوزع الجغرافي والبيئي

تتميّز محافظة الزرقاء بموقعها الجغرافي الفريد شمال شرق العاصمة عمان، وتعد من المحافظات الأردنية ذات الكثافة السكانية العالية والتنوع البيئي الكبير، إذ تشمل ألوية متعددة كل منها له خصائصه الطبيعية والبيئية. مدينة الزرقاء نفسها تقع في قلب المحافظة، وتتمتع بطابع حضري صناعي مع شبكة طرق واسعة، وتعد مركز الحركة الاقتصادية والتجارية والثقافية، حيث يسكنها مزيج من السكان المحليين والمهاجرين، وتنتشر فيها المناطق السكنية والمجمعات الصناعية، مما يجعلها منطقة ذات كثافة سكانية عالية ومتنوع النشاطات.

أما لواء الأزرق فيتسم بطابع صحراوي شبه قاحل، ويشتهر بمناخه الحار والجاف صيفًا، ويضم واحة الأزرق الشهيرة، التي تعتبر أهم نقطة حياة للنباتات والحيوانات في المنطقة، كما تحتضن مخيم الأزرق للاجئين السوريين، وهو أكبر المخيمات في الأردن، ما يضيف بعدًا اجتماعيًا وديموغرافيًا مهمًا.

لواء بيرين يمتاز بأرضه الزراعية الخصبة نسبيًا مقارنة ببقية المحافظة، حيث تنتشر فيه الأراضي الصالحة للزراعة والمزارع الصغيرة، ويشتهر بوجود المياه الجوفية المحدودة التي تساعد في تربية الماشية والزراعة المنزلية. سيل الزرقاء، وهو الوادي الرئيسي في المحافظة، يشكّل شريانًا طبيعيًا مهمًا للتربة والمياه، ويسهم في تنوع البيئات على جانبيه، مع وجود مناطق رعوية وغابات منخفضة، ويعد نقطة جذب للحياة البرية والنباتية الموسمية.

إضافة إلى ذلك، توجد مناطق أخرى مثل حي الغويرية والهاشمية والعالوك التي تمزج بين الطابع الحضري والريفي، حيث تتناغم التجمعات السكانية مع البيئات الزراعية القديمة، وتشكل معًا فسيفساء جغرافية متنوعة تعكس التنوع البيئي والمناخي والاجتماعي لمحافظة الزرقاء. هذا التنوع يجعل المحافظة نموذجًا مصغّرًا يضم المدن الصناعية، الأرياف الزراعية، الواحات الصحراوية، والمجاري المائية الموسمية، ليقدم صورة متكاملة عن بيئة الأردن المتنوعة في منطقة واحدة.

 السكان والنمو الديموغرافي

تُعدّ محافظة الزرقاء ثاني أكبر محافظات الأردن من حيث عدد السكان بعد محافظة العاصمة، إذ تجاوز عدد سكانها المليون نسمة وفق التقديرات الرسمية الأخيرة. وشهدت المحافظة نموًا سكانيًا متسارعًا نتيجة عوامل عدة، أبرزها الهجرة الداخلية من المحافظات الأخرى، إضافة إلى استقبال موجات من اللاجئين عبر فترات زمنية مختلفة. وقد أدى هذا النمو إلى ارتفاع الكثافة السكانية، خاصة في المناطق الحضرية، ما شكّل تحديات خدمية وتنموية، وفي الوقت ذاته عزّز من دور الزرقاء كمركز بشري واقتصادي مؤثر في المملكة.

التنوع الديموغرافي في محافظة الزرقاء

شهدت محافظة الزرقاء في الأردن تنوّعًا ديموغرافيًا واسعًا أثر بشكل كبير على تكوين مجتمعها وتقاليده، وكان لذلك جذور تاريخية منذ بداية القرن العشرين. بدأت المدينة الحديثة بوساطة تجمعات من الشركس والشيشان الذين نزحوا من مناطق الشيشان والقوقاز بعد حروب الإمبراطورية الروسية في منتصف ونهاية القرن التاسع عشر، حيث استقروا في ضواحي الزرقاء وامتلكوا الأراضي بعد موافقة السلطات العثمانية عام 1905، وأسهموا في تأسيس نواة المجتمع المحلي حول محطة سكة حديد الحجاز في عام 1902. 

مع تأسيس الدولة الأردنية ثم إنشاء قوات أمنية وعسكرية في المنطقة، ارتبطت الزرقاء بـ المعسكرات العسكرية وبنيتها الوظيفية كمدينة للجيش، وهو ما جذب عائلات من مختلف المناطق الأردنية للعمل والاستقرار في المدينة، خاصة من عشائر بدوية وشركسية وشيشانية محلية ممن عملوا في الجيش أو في الخدمات التابعة له. 

بعد ذلك، شكلت النكبة الفلسطينية عام 1948 نقطة تحول كبيرة في التوزع السكاني، إذ استُقبل في الزرقاء اللاجئون الفلسطينيون الذين نزحوا من أراضيهم خلال الحرب، وتم إنشاء مخيم الزرقاء في عام 1949 بواسطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ثم تطوّر لاحقًا وأصبحت أحياؤه جزءًا من النسيج الحضري للمدينة بمرور السنين. 

في العقود الأخيرة، ومع اضطرابات المنطقة وخاصة الحرب الأهلية السورية منذ 2011، ازداد عدد السكان ذوي الأصول السورية، لا سيما في محيط مخيم الأزرق للاجئين السوريين الذي افتُتح عام 2014 لاستقبال الفارين من الحرب، مما أضاف بُعدًا جديدًا للتنوع السكاني والثقافي في المحافظة. 

إضافة إلى ذلك، يوجد في محافظة الزرقاء تجمعات للأقلية الدرزية، الذين انتقل قسم منهم من منطقة جبل الدروز في جنوب سوريا إلى الأردن خلال فترة الانتداب الفرنسي بين الحربين العالميتين، واستقروا في واحة الأزرق والمناطق المجاورة، محافظين على بعض تقاليدهم وعاداتهم رغم الاندماج الكبير في المجتمع الأردني. 

نتيجة هذه الموجات المتلاحقة من الاستيطان واللجوء والهجرة، تمتاز محافظة الزرقاء اليوم بتركيبة ديموغرافية معقدة تضم أردنيين من أصول بدوية، شركسية، شيشانية، فلسطينية، سورية، ودرزية، كل منهم ساهم في نسيج اجتماعي متنوع ينعكس في اللغة والعادات والممارسات اليومية، ويعكس تاريخ الحركة السكانية في الأردن ككل.


التنوع الثقافي والاجتماعي

نتيجة للتنوع الديموغرافي، برز في محافظة الزرقاء تنوع ثقافي واجتماعي غني، تجلّى في العادات والتقاليد، وأنماط العيش، والممارسات الاجتماعية المختلفة. ويُلاحظ وجود حالة من التعايش المجتمعي بين مختلف مكونات السكان، تدعمها مؤسسات تعليمية ودينية وثقافية متعددة. كما لعبت الجمعيات الأهلية والمراكز الثقافية دورًا في تعزيز قيم الانتماء والتسامح، والمشاركة المجتمعية. وقد أسهم هذا التنوع الثقافي في إثراء المشهد الاجتماعي في المحافظة، وجعلها نموذجًا مصغرًا للتعددية التي يتميز بها المجتمع الأردني.

المناخ في محافظة الزرقاء

يسود محافظة الزرقاء مناخ متوسطي شبه جاف، يتميز بصيف حار وجاف، وشتاء بارد نسبيًا مع هطول محدود للأمطار. وتظهر فروقات مناخية داخل المحافظة، حيث تميل المناطق الغربية إلى اعتدال أكبر مقارنة بالمناطق الشرقية ذات الطابع الصحراوي، مثل الأزرق. ويؤثر المناخ بشكل مباشر في الأنشطة الاقتصادية، لا سيما الزراعة المحدودة، إضافة إلى تأثيره على نمط الحياة اليومية للسكان. كما يشكّل شحّ الأمطار أحد التحديات البيئية التي تتطلب سياسات مستدامة في إدارة الموارد المائية.

أثر التنوع الجغرافي والديموغرافي على التنمية

أسهم التنوع الجغرافي والديموغرافي في محافظة الزرقاء في تشكيل قاعدة تنموية متنوعة، خاصة في مجالات الصناعة والتجارة والخدمات. فقد وفّر التنوع السكاني قوى عاملة كبيرة، في حين أتاح الموقع الجغرافي فرصًا استثمارية مهمة. إلا أن هذا التنوع رافقته تحديات، مثل الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة. ومع ذلك، تظل الزرقاء محافظة واعدة، تمتلك مقومات تنموية كبيرة يمكن استثمارها من خلال التخطيط الحضري المتوازن، وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.

الزرقاء في الأعمال الدرامية والأدبية

برزت محافظة الزرقاء في المشهد الفني والثقافي الأردني من خلال أعمال درامية وأدبية تناولت مواقعها وقصص سكانها وجغرافيا المكان، ما جعلها جزءًا من الذاكرة الثقافية الأردنية. من أبرز هذه الأعمال مسلسل «قرية بلا سقوف» الذي عُرض في الثمانينات ويدور حول قرية (غريسا) في الزرقاء، حيث تروي أحداثه حكايات السكان والتحولات الاجتماعية في القرية التي أصبحت بلا أسقف بعد أن كانت عامرة بحياة الناس وعاداتهم التقليدية، وهو من إنتاج التلفزيون الأردني.

على الصعيد الأدبي، تُعد رواية «فاطمة» للكاتب محمد عبد الكريم الزيود من الأعمال التي استخدمت الزرقاء وخياراتها الجغرافية كخلفية للسرد، حيث تقدم رؤية بانورامية عن الهوية الأردنية في القرن العشرين وتتضمن وصفًا لحي الغويرية في مدينة الزرقاء والمناطق المحيطة مثل الهاشمية والعالوك وصروت والحوايا وبيرين وسيل الزرقاء، ما يدمج القارئ في البيئة المحلية بتفاصيل عن العادات والقيم والممارسات الاجتماعية.

إلى جانب ذلك، هناك اهتمام متزايد بتوثيق الزرقاء ثقافيًا عبر أفلام وثائقية مثل «الزرقاء: بوابة الثقافة الأولى» الذي أُنتج بإشراف مديرية ثقافة الزرقاء، ويسلط الضوء على تاريخ المدينة وهويتها الثقافية وتنوع سكانها، بالإضافة إلى حفز النشاط الثقافي في المحافظة من خلال مهرجانات ومعارض تهتم بالسرد القصصي والفني.

كما تنشط في الزرقاء فعاليات أدبية مثل ملتقى القصة القصيرة الذي استُضيف في فرع رابطة الكتاب الأردنيين بالمدينة، مما يعكس الحركة السردية والاهتمام بالأدب الذي يستلهم تجربة المكان وسكانه في أعمال القص والصورة.

بهذا الشكل، تظهر الزرقاء في الأدب والدراما ليس فقط كخلفية جغرافية، بل كمصدر إلهام سردي يعكس التاريخ الاجتماعي والثقافي والهوية المحلية للأردنيين، ما يثري السرد الفني ويقدم صورًا متعددة عن الحياة في هذه المحافظة.


مدينة الثقافة الأردنية

اختيار محافظة الزرقاء كمدينة الثقافة الأردنية يعكس الاهتمام المتزايد بالحركة الثقافية والفنية في المملكة، وقد تم هذا الاختيار ضمن المبادرة الوطنية لتطوير المدن ثقافيًا وتعزيز الهوية المحلية وتشجيع الإبداع الفني والأدبي. خلال هذا التكريم، شهدت الزرقاء تنظيم عدد من الفعاليات الثقافية الكبرى، أبرزها افتتاح المتاحف والمعارض الفنية، مثل معرض الفن التشكيلي المحلي الذي يضم أعمالًا لفنانين من جميع محافظات الأردن، وكذلك المكتبات العامة والمعارض المتنقلة التي تهدف إلى تعزيز القراءة ونشر الثقافة بين جميع شرائح المجتمع، خصوصًا الشباب والطلاب.

كما تم إقامة ورش عمل في مجالات المسرح والموسيقى والسينما، إضافة إلى المهرجانات الأدبية التي شملت مسابقات القصة القصيرة والشعر والمسرح المدرسي، بالتعاون مع فرع الزرقاء لرابطة الكتاب الأردنيين، ومؤسسات التعليم والثقافة المحلية، ما ساعد في إبراز المواهب الصاعدة وتطوير المهارات الفنية لدى السكان. كما احتضنت المدينة فعاليات ثقافية متخصصة بالتراث المحلي، مثل عروض الفلكلور الأردني والحرف اليدوية التي عكست الهوية الثقافية للزرقاء وأهلها، بما في ذلك التراث الشركسي والشيشاني والفلسطيني والسوري، ليصبح التكريم فرصة لتسليط الضوء على التنوع الثقافي والاجتماعي الذي تزخر به المحافظة.

وقد ساهمت هذه الفعاليات في تعزيز مكانة الزرقاء كـ مركز ثقافي حيوي على مستوى الأردن، وجعلتها نموذجًا يُحتذى به في دمج الثقافة بالهوية المحلية والمجتمع المدني، كما زاد من تفاعل المواطنين مع المبادرات الثقافية وساعد في خلق مساحة تفاعلية للفنون والأدب، إلى جانب تنمية مهارات الشباب وتشجيعهم على المشاركة في الحياة الثقافية. وتأتي هذه الإنجازات ضمن استراتيجية وطنية لتفعيل الدور الثقافي للمحافظات الأردنية، بالتوازي مع خطط وزارة الثقافة لتنمية المحتوى المحلي وتشجيع الإبداع على كافة المستويات.


تعليقات