بقلم
-المهندس الزراعي ناجح ناجي حسن
كاتب ومحرر في موسوعة ويكيبيديا العربية منذ عام
2008
خلال الأسبوع الماضي وصلتُ في مسيرتي التحريرية
في موسوعة ويكيبيديا العربية إلى المرتبة الخامسة والعشرين عربيًا بعدد يقارب 95
ألف تعديل، وإلى المرتبة الخمسين عربيًا في عدد المقالات بما يقارب 2400 مقالة، وهي أرقام لا تمثل مجرد إنجاز شخصي بقدر
ما تعكس سنوات من العمل التطوعي المتواصل في فضاء المعرفة الحرة، وإيمانًا عميقًا
بأن اللغة العربية تستحق حضور أقوى في البيئة الرقمية العالمية. فالمساهمة في
تحرير ويكيبيديا ليست سباق نحو الأرقام فقط، بل التزام أخلاقي وثقافي بالمشاركة في
بناء مرجع معرفي مفتوح يستفيد منه ملايين القرّاء يوميًا، خاصة أن الموسوعة التي
تديرها مؤسسة Wikimedia
Foundation منذ
انطلاقها عام 2001 (وقد تم الاحتفال باليوبيل الفضي لها خلال شهر كانون ثاني 2026)
أصبحت من أكثر المنصات استخدامًا في العالم للحصول على المعلومات في مختلف
المجالات.
وتتجلى أهمية الكتابة في ويكيبيديا على مستوى
المجتمع في كونها أداة فاعلة لسد فجوة المحتوى العربي على الإنترنت، إذ توفر
مقالات موثقة أو شبه موثقة في الطب والعلوم والتاريخ والاقتصاد والثقافة
والجغرافيا والتاريخ والتأريخ، وتسهم في نشر المعرفة المجانية القائمة على المصادر
الموثوقة، مما يعزز الثقافة العامة ويدعم العملية التعليمية ويحد من انتشار
المعلومات غير الدقيقة. كما أن وجود محتوى عربي غني يعزز الهوية اللغوية ويمنح
القارئ العربي فرصة الوصول إلى المعرفة بلغته الأم دون حواجز، وهو ما ينعكس
إيجابًا على جودة البحث العلمي والتعليم المدرسي والجامعي.
أما على مستوى الفرد، فإن تجربة التحرير تمثل
مدرسة حقيقية في التعلم الذاتي المستمر، حيث يتعلم المحرر مهارات البحث في المصادر
الأكاديمية، والتحقق من المعلومات، وصياغتها بأسلوب موسوعي محايد، والالتزام
بسياسات التوثيق والحياد. ومع مرور الوقت تنمو لدى المحرر قدرات التفكير النقدي
والتحليل والمقارنة بين المصادر، إضافة إلى تطوير مهارات الكتابة الدقيقة
والمنهجية، فيتحول من مستهلك للمعرفة إلى مساهم في إنتاجها، وهو تحول يعمّق إحساسه
بالمسؤولية ويعزز ثقته بنفسه وقدرته على التأثير الإيجابي في مجتمعه.
ورغم هذه الأهمية، تواجه ويكيبيديا العربية
تحديات عدة، أبرزها قلة المحررين الدائمين مقارنة بحجم المحتوى المطلوب تطويره، إذ
تعتمد الموسوعة كليًا على الجهود التطوعية، مما يجعل استمرارية العمل مرهونة
بتفاعل المجتمع. كما أن بعض الأكاديميين ما زالوا ينظرون إليها بتحفظ بحجة أن
محرريها قد يكونون مجهولين أو غير متخصصين، غير أن هذا التصور لا يعكس طبيعة العمل
التعاوني الذي يقوم على مراجعات متبادلة وسياسات صارمة تتعلق بالمصادر الموثوقة
وإمكانية التحقق، حيث تخضع المقالات لمراقبة مستمرة من المحررين والمراجعين
والإداريين لضمان الجودة والدقة.
وقد شهدت ويكيبيديا العربية في السنوات الأخيرة
تقدمًا ملحوظًا، إذ تمكنت خلال شهر كانون ثاني / يناير 2026 من الوصول إلى المرتبة
الخامسة عشرة بعدد يصل إلى (مليون و300 ألف مقالة تقريبا) بين أكثر من 300 لغة ،
والتريب الحادي عشر من حيث عدد التعديلات (بعدد يصل إلى 73 مليون تعديل)، وهو
إنجاز يعكس حيوية المجتمع التحريري العربي وسرعة استجابته للأحداث والمستجدات،
إضافة إلى تحسن جودة المقالات نتيجة تراكم الخبرات وتكامل الأدوار بين مختلف فئات
المحررين. وتمتاز الموسوعة بسرعة تحديثها للمعلومات، خاصة في الموضوعات العلمية
والطبية والأحداث الجارية، مع الالتزام الدائم بمعايير التوثيق والحياد بقدر الإمكان.
إن المرحلة الراهنة تتطلب دعمًا أوسع من المجتمع،
ليس فقط من خلال قراءة المقالات، بل عبر التفاعل الإيجابي معها، وتصحيح الأخطاء،
وإضافة المصادر، وتشجيع طلبة المدارس والجامعات على خوض تجربة التحرير بوصفها نشاط
تعليمي عملي يعزز مهارات البحث والكتابة والترجمة لديهم. ويمكن للمؤسسات التعليمية
أن توظف ويكيبيديا كأداة تعليمية تُحوَّل فيها الواجبات الدراسية إلى مقالات موثقة
تضيف قيمة حقيقية للمحتوى العربي، مما يربط بين التعلم النظري والتطبيق العملي في
خدمة المعرفة العامة.
وفي هذا الإطار برز دور جمعية المحتوى الرقمي
العربي التي تأسست عام 2020 تحت مظلة وزارة الثقافة، ومديرية ثقافة محافظة الزرقاء،
حيث تعمل على دعم وتدريب محرري ويكيبيديا العربية وتنظيم الورش والدورات المتخصصة،
وبسب تميز محرريها وعملها، رغم حداثتها، حصلت على منح من مؤسسة ويكيميديا Wikimedia Foundation لتنفيذ مشاريع تهدف إلى تطوير المحتوى العربي وتعزيز استدامة العمل
التطوعي. كما يشارك أعضاؤها سنويًا في فعاليات تحريرية عالمية مثل شهر ويكيبيديا
الآسيوي والمبادرات التي تهتم بالمواضيع الرياضية والمحلية والجغرافية، حيث يُكتب
ما يقارب ألف مقالة أو أكثر كل عام، بما يسهم في توسيع آفاق التعاون الثقافي
والمعرفي بين المجتمعات المختلفة.
وقبل تأسيس الجمعية كانت وما زالت "مجموعة
بلاد الشام" التي تأسست كمجموعة مستخدمين معتمدة ذات دور مهم وريادي في تنظيم
الجهود التطوعية من خلال التدريبات والمحاضرات والأنشطة التحريرية التي أسهمت في
إعداد جيل من المحررين المتمرسين، وشكلت نواة للعمل المؤسسي اللاحق، مما يدل على
أن تطوير ويكيبيديا العربية لم يكن جهدًا فرديًا معزولًا، بل مسيرة جماعية تراكمية
قائمة على التعاون والإيمان بأهمية المعرفة الحرة. وهكذا تبقى ويكيبيديا مشروعًا
حضاريًا مفتوحًا، يقوم على مساهمات الأفراد وإيمانهم بأن كل تعديل مهما كان صغيرًا
يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا في حياة قارئ يبحث عن معلومة موثوقة بلغته، وأن مستقبل
المحتوى العربي الرقمي يرتبط بمدى استعدادنا جميعًا للمشاركة في بنائه وتطويره.
ومن هنا فإن ما تحتاجه ويكيبيديا اليوم من المجتمع يبدأ بخطوة
بسيطة لكنها مؤثرة، وهي إنشاء حسابات في ويكيبيديا والانخراط في عملية التعلم
التدريجي عبر الدورات والمواد التدريبية المتاحة عبر الإنترنت واليويتوب والورشات
التدريبية التي تنعقد باستمرار، بما في ذلك الفيديوهات والشروحات العملية التي
نطرحها لتعليم أساسيات التحرير، وإضافة المراجع، ورفع الصور إلى مستودع الوسائط
المرتبط بالموسوعة وفق السياسات المعتمدة. حيث أن تعلّم آليات الكتابة الموسوعية
لا يتطلب خبرة سابقة بقدر ما يحتاج إلى رغبة في التعلم والالتزام بالمعايير، وكل
مساهم جديد يمكن أن يتحول خلال فترة قصيرة إلى محرر فاعل يسهم في تطوير مقالات في
مجالات اهتمامه أو تخصصه، سواء كانت علمية أو تاريخية أو مجتمعية، وبذلك تتوسع
دائرة المعرفة الحرة بأيدٍ عربية واعية ومدرَّبة.
كما أن للمؤسسات الحكومية والخاصة والشركات دورًا
مهمًا في هذا المسار، إذ يمكن لكل مؤسسة أن تبادر بتدريب موظف أو اثنين على أسس
التحرير التطوعي، ليكونوا نواة داخل مؤسساتهم لنشر المعرفة الموثقة حول القطاعات
التي يعملون فيها، أو الصناعات التي يشرفون عليها، أو المناطق التي ينتمون إليها. فوجود
محررين مدرَّبين من داخل المؤسسات يسهم في توثيق المعلومات بصورة دقيقة قائمة على
المصادر والخبرة ، ويعزز حضور الإنجازات المحلية في الفضاء الرقمي العالمي، دون أن
يتحول ذلك إلى دعاية، بل إلى مساهمة معرفية محايدة تخدم القارئ العام. وبهذا يصبح
في كل مؤسسة عنصر فاعل يدفع باتجاه دعم المحتوى العربي الرقمي، ويشكّل حلقة وصل
بين الخبرة الميدانية والعمل الموسوعي التطوعي.
ختاما، إن
ويكيبيديا ليست مجرد موقع إلكتروني، وليست مسؤولية فرد واحد، بل مشروع حضاري
تشاركي يقوم على إيمان الأفراد بقيمة المعرفة الحرة. وكل تعديل، مهما بدا صغيرًا،
هو لبنة في بناء معرفي ضخم يخدم أجيالًا كاملة. واليوم، نحن بحاجة إلى
مزيد من الأقلام العربية التي تؤمن بأن الكتابة مسؤولية، وأن توثيق المعرفة واجب،
وأن مستقبل المحتوى العربي مرهون بمدى مساهمتنا فيه. فالرقم الذي حققته ليس نهاية
الطريق، بل خطوة في مسيرة طويلة نحو فضاء عربي رقمي أكثر حضورًا وتأثيرًا.
تعليقات
إرسال تعليق