من التجارة إلى بناء مجموعة متنوعة
أصبح عبدالله أحمد بقشان أحد الأسماء البارزة في قيادة أعمال الأسرة، وتولى رئاسة مجموعة بقشان العربية، في مرحلة اتسمت بتوسع النشاط العائلي وتنوعه. ولم تعد المجموعة مرتبطة بتجارة واحدة، بل أصبحت منظومة من الأنشطة والاستثمارات التي تمتد إلى مجالات مختلفة. ويظهر هذا التنوع في تركيبة المجموعة التي تضم شركات تعمل في العقارات والسيارات والأغذية والمشروبات والتعليم والرعاية الصحية ومستحضرات التجميل والعطور، وهو ما يعكس انتقال أعمال الأسرة من التجارة التقليدية إلى نموذج استثماري أكثر اتساعاً. لكن الجانب الأكثر تميزاً في تجربة عبدالله بقشان لا يرتبط بالتوسع التجاري وحده، وإنما بالطريقة التي نظر بها إلى العلاقة بين رجل الأعمال والمجتمع، وهي النظرة التي ستظهر بصورة أوضح في ارتباطه بحضرموت.
حضرموت.. ارتباط يتجاوز الجذور
رغم ارتباط نشاطه الاقتصادي بالمملكة العربية السعودية، ظل اليمن وحضرموت حاضرين في تجربة عبدالله بقشان. وفي مقابلة صحفية تحدث عن علاقته بحضرموت وعن الملفات التي كان رجال الأعمال الحضارم يناقشونها، مشيراً إلى أنه اختار التعليم باعتباره الملف الأكثر أهمية والأكثر قدرة على إحداث أثر ملموس في المجتمع.
وكان هذا الاختيار نقطة تحول في طبيعة حضوره التنموي في اليمن؛ فبدلاً من الاقتصار على المساعدات المباشرة، اتجه إلى مشروع طويل الأجل يقوم على بناء الإنسان وتأهيله، باعتبار التعليم وسيلة أساسية لتغيير المجتمع ورفع قدراته.
وفي عام 2006، وبعد اجتماعات بين رجال الأعمال الحضارم وعدد من الشخصيات المعنية بالشأن العام، جرى الاتفاق على إنشاء مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية، وكان عبدالله بقشان من مؤسسيها، ثم أُجمع على توليه مسؤولية قيادة المؤسسة.
مؤسسة حضرموت.. من عمل خيري إلى مشروع تنموي
أصبحت مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية المحور الأبرز في نشاط عبدالله بقشان في المجال التنموي. ومنذ تأسيسها، ركزت المؤسسة على التعليم وتنمية القدرات البشرية، وعلى مساعدة الطلاب المتفوقين في الوصول إلى فرص تعليمية أفضل داخل اليمن وخارجه. وتشمل برامج المؤسسة الابتعاث والتعليم العام والتعليم المهني والتقني، إلى جانب دعم الطلاب والبرامج التعليمية المختلفة. وخلال زيارة عبدالله بقشان لمقر المؤسسة في المكلا عام 2019، شدد على أهمية توسيع الإسهامات التنموية وتسهيل استفادة الطلاب من برامج الابتعاث والتعليم العام والتعليم المهني والتقني.
كما امتد الدعم إلى الطلاب الحضارم في الخارج، إذ وثقت المؤسسة رعايته لأنشطة الطلاب في ماليزيا، ودعوته لهم إلى التفوق العلمي واستثمار تخصصاتهم في بناء مستقبل حضرموت، مع تشجيعهم على التفكير في إنشاء مشروعات صغيرة بعد التخرج. وفي مصر، ظهر هذا الدور من خلال دعم الطلاب المبتعثين، ومن بينهم طلاب الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، حيث أكد بقشان أهمية أن تتحول المعرفة التي يحصل عليها الطلاب إلى عمل يخدم اليمن وحضرموت.
التعليم أولاً
تكشف تصريحات عبدالله بقشان عن فلسفة واضحة في العمل الاجتماعي؛ فهو لا ينظر إلى المسؤولية الاجتماعية باعتبارها توزيعاً للأموال فقط، بل يرى أن مساعدة الإنسان على التعلم والعمل وإقامة مشروع يمكن أن تكون أكثر استدامة من تقديم المساعدة المالية المباشرة. وفي مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط، عبّر عن هذه الرؤية بوضوح، مؤكداً أن تمكين الإنسان من التعلم واكتساب حرفة أو إنشاء مشروع صغير يساعده على الاعتماد على نفسه، وأن دور رجل الأعمال ينبغي أن يتجاوز تقديم المال إلى الارتقاء بمستوى الفئات المحتاجة. وهذه الفكرة تفسر إلى حد كبير تركيزه على التعليم والتأهيل والابتعاث، إذ يصبح الإنفاق الاجتماعي في هذه الحالة استثماراً في الإنسان وليس مجرد إنفاق استهلاكي.
من المنح إلى تطوير المؤسسات التعليمية
تطور العمل الذي تدعمه مؤسسة حضرموت مع مرور السنوات من مساعدة الطلاب إلى مشروعات أوسع تستهدف تطوير البيئة التعليمية نفسها. وتؤكد المؤسسة أن برامجها شملت المنح التعليمية النوعية للطلاب المتفوقين، والثانويات النموذجية، ودعم البنية التحتية للمدارس والجامعات الوطنية. وفي عام 2022 كرمت وزارة التربية والتعليم اليمنية عبدالله بقشان تقديراً لدعمه القطاع التربوي والتعليمي، وأشارت إلى مشروعات وبرامج المؤسسة ودعمها للثانويات النموذجية والأنشطة والمشاركات التعليمية. وفي عام 2025 واصلت المؤسسة التأكيد على هذا الاتجاه، حيث أعلن بقشان استمرار الالتزام بالاستثمار في الإنسان وتطوير التعليم في حضرموت واليمن، في إطار شراكات مع المؤسسات التعليمية.
العمل الخيري بوصفه استثماراً في المستقبل
تختلف تجربة عبدالله بقشان في العمل الخيري عن نموذج المساعدة المؤقتة في كونها ترتكز بدرجة كبيرة على إنشاء مؤسسات وبرامج قادرة على الاستمرار. فالمؤسسة التي شارك في تأسيسها تحولت إلى إطار دائم للمنح والابتعاث والتعليم والتأهيل، وأصبحت تعمل مع المدارس والجامعات والجهات الحكومية والطلاب.
كما أن انتقال المؤسسة إلى مقر جديد في المكلا، وتحوله إلى مجمع يضم مراكز ومؤسسات تنموية، يعكس تطور المشروع من مبادرات متفرقة إلى عمل مؤسسي منظم. وحصلت مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية لاحقاً على جائزة حمدان–الإيسيسكو للتطوع في تطوير المنشآت التربوية في العالم الإسلامي، تقديراً لجهودها في المجال التعليمي، ولا سيما مشروع الثانويات النموذجية وتطوير المنشآت التعليمية.
عبدالله بقشان.. بين التجارة والتنمية
تكشف مسيرة عبدالله أحمد بقشان عن مسارين متوازيين: مسار اقتصادي ارتبط بإدارة الأعمال والاستثمارات المتنوعة، ومسار تنموي ركز بصورة خاصة على حضرموت واليمن. وقد ساعده موقعه في عالم الأعمال على توفير الموارد اللازمة للمبادرات التنموية، لكن الأهم كان اختياره المجال الذي يرى أن أثره يمتد إلى أجيال، وهو التعليم. لذلك تحولت علاقته بحضرموت من مجرد ارتباط عائلي وجغرافي إلى مشروع مؤسسي يستهدف بناء الإنسان وتأهيله. وبعد سنوات من العمل، أصبحت مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية إحدى أبرز القنوات التي يظهر من خلالها هذا التوجه، سواء عبر المنح والابتعاث، أو دعم المدارس والجامعات، أو التعليم المهني والتقني، أو تطوير البيئة التعليمية.
من الثروة إلى الأثر
يمكن اختصار تجربة عبدالله أحمد بقشان في اليمن وحضرموت في انتقال واضح من الاستثمار في الأعمال إلى الاستثمار في الإنسان. فالرجل الذي جاء من أسرة ذات تاريخ تجاري طويل لم يجعل النجاح الاقتصادي نهاية لمسيرته، بل استخدم جانباً من إمكاناته وخبرته في تأسيس مشروعات تنموية طويلة الأجل. ولهذا فإن أهمية تجربته لا تكمن فقط في حجم مجموعة بقشان أو تنوع أعمالها، وإنما في الطريقة التي ربط بها بين النشاط الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية. وفي حضرموت تحديداً، ظهر هذا الارتباط في صورة مؤسسة تضع التعليم في مقدمة أولوياتها، وتسعى إلى تحويل الدعم إلى فرص مستدامة للطلاب والشباب. وهكذا أصبحت قصة عبدالله بقشان امتداداً لقصة أوسع عن رجل أعمال يحمل جذوراً حضرمية، بنى حضوره في عالم الأعمال، ثم عاد إلى جذوره ليجعل من التعليم والتنمية وبناء القدرات البشرية جزءاً أساسياً من أثره في اليمن.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق